إذا ما أردنا التطرّق إلى موضوع الفجوة الكامنة بين المهارات المكتسبة في المرحلة الثانوية ومتطلّبات المرحلة الجامعية في العالم العربي، فلا بدّ من البدء بالتساؤل عن حقيقة وجود هذه الفجوة. والحقيقة أنّ هذا السؤال قد استرعى اهتمامي بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفعني إلى إجراء دراسة عينية تضمّنت ألفين وخمسمئة طالب في منطقة الخليج العربي تمّ ابتعاثهم لإتمام دراساتهم العليا. وقد استطعت أن أستنتج من خلال تحليل البيانات الثانوية أنّ الفجوة المعنيّة حقيقة لا يمكن إنكارها ليس على صعيد دول الخليج فحسب ولكن على مستوى العالم العربي عامّة أيضا. وقد تمكّنت من التوصل إلى هذا الاستنتاج نظرا إلى طبيعة العيّنة التي قمت بدراستها وتحليلها. إذ أنّ تلاميذ الثالث ثانوي الذين كوّنوا هذه العيّنة لم يتمّ تأسيسهم من قبل مدارس خليجية حصرا، بل كثير منهم، وإن كانوا من سكان الخليج، تمّ تأسيسهم أكاديميا في دول عربية شقيقة أو في مدارس دولية من المنطقة. ولكن كيف تتجلّى الفجوة بين مرحلة التعليم الثانوي ومرحلة التعليم الجامعي أو ما يعرف بالتعليم العالي؟

تتجلّى هذه الفجوة بشكل خاص من خلال التباين في المهارات والمعارف التي يكتسبها خريجو المرحلة الثانوية وتلك الضرورية لإتمام المرحلة الجامعية بسلاسة ونجاح سواء في مؤسسات تعليمية محلية، أو إقليمية أو دولية. وتبدو هذه الفجوة واضحة من خلال النقص في عدد من المهارات والكفاءات التي من المفترض أن يكتسبها الخريجون عبر المرحلة الثانوية.

ومن الواضح أنّ خريجي أنظمة التعليم المدرسية في العالم العربي لا يفتقرون إلى المكتسبات الأكاديمية العلمية فحسب ولكن إلى العديد من المهارات الحياتية الضرورية أيضا. إذ تمكّنتُ من خلال استطلاعاتي الميدانية أن أستخلص وجود قصور فاضح في مهارات التعلم العالي لدى الطلاب.  ويبدو هذا القصور واضحا على صعيد اللغة ومهارات التواصل والكتابة، خاصة في اللغات الأجنبية كالإنكليزية مثلا. كما يُظهر الطلاب مستويات مشاركة منخفضة في النشاطات المجتمعية ونقص في التجارب التعليمية والحياتية الدولية نتيجة عدم توافر الاهتمام أو الفرص. كذلك يحرز الطلاب نتائج متدنية في الرياضيات والعلوم والمهارات البحثية. وفوق ذلك كلّه، يعبّر هؤلاء عن ترددهم وحيرتهم في اختيار مجال الدراسة والعمل المستقبليين، فهم يفتقرون إلى معلومات أساسية تتعلق بمتطلبات القبول في الجامعة (مثل ضرورة إجراء امتحانات الـ SAT وTOEFL أو IELTS) والمهارات اللازمة لإجراء المقابلات، ويواجهون صعوبة في تعبئة الطلبات وكتابة رسائل طلب الالتحاق بالجامعة. وتشير نتائج البحث الميداني إلى أنّ هذا النقص في المهارات يميل إلى الازدياد أكثر إذا ما تمّ تأسيس الطالب في مدرسة حكومية حيث تتدنّى مهارات اللغة الانجليزية بشكل ملحوظ ويغيب الإرشاد والتوجيه المهني بشكل شبه كلي.

وتؤكد محصلات الدراسة أنّه خلال مرحلة التعليم الثانوي، لا يتمّ تجهيز الطلاب بالمهارات اللازمة لتمكينهم من الانخراط مباشرة في معاهد التعليم العالي والجامعات. بل إنّ المرور بمرحلة انتقالية وسيطة بات أمرا حاسما من أجل ضمان تطوير الشباب بالكفاءات والمهارات اللازمة لتحقيق النجاح في المستقبل. وغالبا ما يؤدي ذلك إلى خسارة الطلاب سنة دراسية إضافية إما لتعلّم اللغة الإنجليزية، أو للانضمام إلى دورات التحضير للجامعة أو امتحانات الـ SAT.

إذن، الآن وقد برهنا وجود فجوة بين المهارات المكتسبة في المرحلة الثانوية ومتطلّبات المرحلة الجامعية في العالم العربي عامة ومنطقة الخليج خاصة، بات من المنطقي التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء هذا التفاوت لا سيّما في ضوء ارتفاع قيمة الانفاق على التعليم في دول الخليج العربي. إذ تنفق دول مجلس التعاون الخليجي نسبا عالية من ناتجها المحلي الإجمالي (4-5٪) على قطاع التعليم الذي من المتوقع أن يلعب دورا أساسيا في الاقتصاد المستقبلي للمنطقة. في الواقع، يتم استثمار ما يعادل الـ 150 مليار دولار أميركي على قطاع التعليم سنويا، وبالرغم من ذلك لا يزال الطلاب يفتقرون إلى المهارات الأساسية للدخول إلى مؤسسات التعليم العالي. في ظلّ هذا التناقض الحاصل، لا بدّ من البحث في أسباب الخلل والجذور الحقيقية لهذا التفاوت.

كثيرة هي الجهات المعنيّة بتوفير العمليّة التعليمية والاستفادة منها، ومن الممكن النظر في مسؤولية كلّ من هذه الجهات في تغيير الوضع الراهن وتحسينه. إذ يملك الطلاب وأولياء الأمور والمعلمون والحكومات وحتى القطاع الخاص التزاما مشتركا تجاه ضمان جودة التعليم الذي يحصل عليه الطالب في جميع سنوات تعليمه الثانوي.

فمن ناحية، ينبغي على الطلاب وأولياء الأمور أن يتحمّلوا جزءا من المسؤولية تجاه أنفسهم. إذ لا بدّ أن يسارع الطلاب إلى الاستفادة من الفرص المتاحة لاكتساب المهارات والكفاءات المطلوبة من قبل الجامعات وسوق العمل والمحافظة عليها وتطويرها. بينما ينبغي على الآباء الاطلاع على أحوال سوق العمل المتغيرة ليشاركوا في التوجيه والإرشاد المهني لأبنائهم بشكل إيجابي وفعال.

من ناحية أخرى، ينبغي على المعلمين والحكومات أن يتحملوا نصيبهم من المسؤولية أيضا. إذ لا بدّ أن يتأكد المعلمون أنهم مجهزون بأفضل تقنيات التدريس الملائمة للقرن الـ21. كما ينبغي أن يخضعوا غالبا لبرامج التدريب والتطوير المهني بغية الحفاظ على الحماس والشغف والمهارات اللازمين لمزاولة مهنة التدريس بنجاح. أمّا الحكومات من جانب آخر، فلا بدّ لها من لعب دور مزدوج يتمثّل أولا في الإشراف على جودة التعليم في مختلف المدارس المعتمدة، وثانيا في إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص لضمان مساهمة القطاع الخاص في عملية وضع المناهج وتأسيس الطالب.

في الآونة الأخيرة، تمّ تسخير العديد من الدراسات للبحث في مهارات ومتطلبات القرن الحادي والعشرين. وقد تمّ تحديد هذه المهارات وتعريفها بالاستناد إلى إشكالات مشتركة بين معظم دول العالم. كما تمّ تصنيفها ضمن ثلاث فئات رئيسية هي التالية: مهارات القراءة والكتابة الأساسية، والكفاءات العامّة، ومهارات بناء الشخصية (هيلتون وبيليغرينو، 2012). والمثير للدهشة هو أنّ خريجي الثانوي في المنطقة العربية يحرزون نتائج متدنيّة في كلّ من هذه الفئات الثلاثة، إذ يفتقدون إلى مهارات الكتابة والقراءة والحساب الأساسية والمهارات العلمية والمعارف التأسيسية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وثقافة المواطنية والتنشئة المدنيّة! كما يفتقرون إلى التفكير النقدي ومهارات حل المشاكل والإبداع، ومهارات التواصل والتعاون التي تقع ضمن خانة الكفاءات العامّة. وهم لا يعربون عن أي فضول، أو عن حس للمبادرة والمثابرة، ولا يتحلّون بالقدرة على التكيف والقيادة ولا يملكون الوعي الاجتماعي والثقافي.

هناك أكثر من 600 مدرسة في دولة الإمارات العربية المتحدة، و300 مدرسة في قطر، و240 مدرسة في البحرين، وغيرها الكثير في المملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة عمان. في “إدوكيشين زون” (Education Zone) نحن مهتمون جدا بجمع المعلومات الوافية عن نظم التعليم المتّبعة في كل من هذه المدارس. إذ تتيح لنا هذه المعرفة مراقبة وتحليل المهارات التي يكتسبها الطلبة داخل كلّ من هذه الأنظمة المختلفة ومطابقتها مع مجموعة المهارات المطلوبة من الطلاب في مراحل التعليم العالي عامّة. ومن خلال بحثنا الدائم، استنتجنا أنه من الممكن إغلاق الفجوة المستمرة بين نظم التعليم في العالم العربي عامة ودول مجلس التعاون الخليجي خاصة من خلال إدخال نماذج جديدة للتدريس. ويشكل النظام الألماني لرودولف شتاينر مثالا نموذجيا للأنظمة المبتكرة التي تتيح للطلاب إمكانية اكتساب وتعزيز مهارات القرن الحادي والعشرين.

في الختام، في حين تواصل الحكومات الخليجية الاستثمار في إصلاح أنظمتها التعليمية، حان الوقت لندرك أننا لن نتمكن من تحقيق أي عائد ما لم نعالج الخلل الفعلي الواقع في النظام التعليمي. فأنا واثقة أننا جميعا نتفق أنّ أطفالنا يستحقون واقعا تعليميا أفضل من المتاح لهم في الوقت الحالي.